Tuesday, March 13, 2007

التغريب والإعلام


كتبه/ علاء بكر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أما بعد،

لوسائل الإعلام المختلفة من مكتوبة ومسموعة ومرئية أثرها البالغ على الرأى العام وتثقيف الجماهير وتوجيههم ، لذا عمد الغرب إلى توجيهها لخدمة أهدافه والسيطرة عليها، وإعداد من يتولون أمرها إعداداً يجعلهم ـ دون أن يشعروا ـ يستكملون ما بدأه الغرب فيهم، فنجحوا وما زالوا في تحقيق ذلك قديماً وحديثاً بصورة خفية غير محسوسة.

يقول المستشرق الإنجليزى (جب) موضحاً أهمية الصحافة فى تغريب المسلمين: "وللوصول إلى هذا التطور الأبعد الذى تصبح الأشكال الخارجية بدونه مجرد مظاهر سطحية يجب ألا ينحصر الأمر فى الاعتماد على التعليم فى المدارس بل يجب أن يكون الاهتمام الأكبر منصرفاً إلى خلق رأى عام، والسبيل إلى ذلك هو الاعتماد على الصحافة".

ثم يقول: "إن الصحافة هى أقوى الأدوات الأوروبية وأعظمها نفوذاً فى العالم الإسلامى".

ثم يبين نتائج هذا الغزو الفكرى عن طريق الإعلام المكتوب إلى جانب غزو المناهج التعليمية : "إن النشاط التعليمى والثقافى عن طريق المدارس العصرية والصحافة قد ترك فى المسلمين من غير وعى منهم أثراً جعلهم يبدون فى مظهرهم العام لا دينيين إلى حد بعيد، وذلك خاصة هو اللب المثمر فى كل ما تركت محاولات الغرب لحمل العالم الإسلامي على حضارته، من آثاره أن الإسلام كعقيدة لم يفقد إلا قليلاً من قوته وسلطانه، ولكن الإسلام كقوة مسيطرة على الحياة الاجتماعية قد فقد مكانته، فهناك مؤثرات أخرى تعمل إلى جانبه، وهى فى كثير من الأحيان تتعارض مع تقاليده وتعاليمه تعارضاً صريحاً، ولكنها تشق طريقها بالرغم من ذلك إلى المجتمع الإسلامي فى قوة وعزم، وبذلك فقد الإسلام سيطرته على حياة المسلمين الاجتماعية، وأخذت دائرة نفوذه تضيق شيئاً فشيئاً حتى انحصرت فى طقوس محدودة".

فتأمل كلام هذا المستشرق الذى مر عليه عقود عديدة لتدرك ما نحن فيه من الغفلة وما هم عليه من التخطيط والتنفيذ من وراء الستار !!!

ومعلوم أن بدء الاهتمام بالصحافة عندنا كان من نصارى، أمثال جورجى زيدان الذى أنشأ مجلة الهلال سنة 1892 م، وكان له صلة بالمبعوثين الأمريكان، وملأ قصصه التاريخية عن الإسلام بالتشويه للإسلام والمسلمين، وسليم تقلا مؤسس جريدة الأهرام، ويعقوب وفؤاد صروفى صاحبا دار المقتطف.

ولقد قامت وما زالت تقوم العديد من الصحف الحزبية بل والمستقلة بدور واضح فى التغريب ونشر أفكاره فى المجالات المختلفة، ولقد قامت وما تزال تقوم وسائل الإعلام المختلفة بحرب شعواء على الشباب الملتزم بدينه، إلى جانب إشاعة الفاحشة والإغراء بالجريمة والسعى بالفساد.

إن الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية تمتلئ بصور السعى إلى ترويج المعاصى والفساد، خاصة المهتمة منها بالفنون والسينما والمسرح، إلى جانب صفحات الحوادث المثيرة، كما تشغل صفحات الرياضة المبهرة فكر وعقول الشباب بما لا ينفعهم ويضيع أوقاتهم، ويرى الكثيرون أن من أهداف هذه المجلات والجرائد شغل الناس عما يفعله أصحاب النفوذ من أخطاء، إلى جانب كونها متنفس للجماهير تفرغ من خلاله همومها اليومية التى لا تنتهى.

ولكن أخطر جوانبها السلبية هو إبعادها الناس عن الإسلام وصبغ حياتهم بما لا يتلاءم مع آداب الإسلام وأخلاقياته. إن إصلاح المجتمع وإعادة بنائه بناءاً إسلامياً صحيحاً يحتاج إلى إصلاح وسائل الإعلام أولاً، وإيجاد الإعلام الإسلامي القادر على التوجيه والتأثير والتصدي للتغريب والعلمانية.

التغريب فى نظم التعليم


كتبه/ علاء بكر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أما بعد،

سعى الغرب إلى تغريب نظم التعليم فى بلادنا فى شتى صوره وأشكاله وبث أفكاره الغربية وقيمه فى مناهجنا التعليمية بعد إضفاء ثوب التجرد العلمى عليها زوراً وبهتاناً، لتتربى عليها الأجيال من أبناء المسلمين، ولقد نجح الغرب فى تحقيق أهدافه بدرجة كبيرة.

فمع الاحتلال العسكرى سارع الغرب إلى وضع مناهج جديدة للتعليم عن طريق رجاله، وساهم عملاؤه فى تنفيذها لخدمة أغراضه القريبة والبعيدة، ولتحقيق ذلك عيّن اللورد كرومر- المندوب السامى البريطانى فى مصر أثناء الإحتلال - القسيس دنلوب المتخرج من كلية اللاهوت البريطانية مستشاراً لوزارة المعارف، وجعل فى يده السلطة الفعلية فيها، ليرسم سياسة التعليم فى مصر وفق ما يريده الغرب، فوضع مناهج كفيلة بقطع صلة الأجيال المسلمة بإسلامها، فأهمل تدريس الدين إلا من نتف يسيرة، وشوّه التاريخ الإسلامى بعرضه لصور منفرة، مع إخفاء بطولاته وأمجاده، حتى صارت الصفة الغالبة على التلاميذ هى جهلهم بهذا التاريخ وأمجاده واستخفافهم به.

فى الوقت الذى يُدرّس فيه تاريخ أوروبا بصورة لامعة جذابة، تتضمن الإشادة بعلمائها وأبطالها وتنصيبهم مُثُل عليا أمام أجيال المتعلمين، مع عرض ما عليه الحضارة الأوروبية الحديثة ومذاهبها الفلسفية إلى جانب إحياء النعرات الإقليمية الجاهلية، والتعريف بها فى مناهج الدراسة بصورة برّاقة مغرية للاعتزاز بها. كما جعل تدريس اللغة الأجنبية للمحتل فى التعليم. وما زالت آثار هذا التوجه باقية فى مناهجنا التعليمية إلى الآن، وما زال هناك من يُنفذ للغرب سياساته.

وفى عهد الاحتلال أعطى الاهتمام لمن درس هذه المناهج فى المدارس العلمية الجديدة، وقُصرت الوظائف والأعمال المرموقة على طلابها، لتحظى هذه المدارس ـ وتدريس تلك المناهج - باهتمام من الآباء، لضمان المستقبل الكريم لأبنائهم. وعلى النقيض من ذلك تقلص الاهتمام بالتعليم فى الأزهر وبطلابه، فانصرفت الهمم عن الإقبال على التعليم الدينى، والعمل بوظائفه، لينحصر عمل خريجى التعليم الدينى فى دائرة ضيقة من العمل ليست لها المكانة المرموقة والمرتبات المجزية، فبعد أن كان لعلماء الأزهر وشيوخه وخريجيه المنزلة العالية عند الحكام والمحكومين، ويُتخذ منهم الأعوان والمستشارون، ويتصدرون المكانة العالية بين الناس، صاروا فى دائرة محددة لا تتعدى الوعظ وإمامة المساجد. ثم نقلت الأوقاف التى كانت مخصصة لطلاب الأزهر وحفظة القرآن فيه إلى وزارة الخزانة، وأنُشئت وزارة للأوقاف بميزانية مستقلة، ليتحول رجال الأزهر إلى موظفين بالدولة يأتمرون بأمرها ويعملون وفق سياستها إلا من رحم ربك.

ثم نودى بالإصلاح والتطوير فى نظام الأزهر التعليمى، وحُول الأزهر إلى جامعة، وأدُخلت فيه العلوم الدنيوية لتزاحم العلوم الإسلامية، حتى صارت القوانين الوضعية تُدرّس إلى جانب الشريعة الإسلامية، وآل الأمر بخريجى الأزهر أن صاروا أقل كفاءة من غيرهم، ولا يقومون بالأعباء المطلوبة منهم كما كان عليه علماء الأزهر ورجاله عبر تاريخه. فأثمر التطوير فى الأزهر قبول أكثر أبنائه للأوضاع الوافدة ودعاوى الوطنية والقومية، ولم يعد هناك الرفض لكل ما هو غير لإسلامى، بل كان التعايش مع العلمانية والتغريب بدلاً من المواجهة والتصدى لها. فقلّ الوازع الدينى فى الأمة، وتفشت الأمية الدينية، وظهر الاستخفاف بأداء العبادات المفروضة، وابتعدت الأمة ـ ومازالت تبتعد ـ عن إسلامها علماً وعملاً شيئاً فشيئاً. ولاحول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

جذور العلمانية


كتبه/ علاء بكر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أما بعد،

العلمانية: ترجمة غير صحيحة للكلمة الإنجليزية (secularism) وترجمتها الصحيحة: اللادينية أو الدنيوية ، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وتعني في جانبها السياسي اللادينية في الحكم، وعلى هذا فلا صلة بين العلمانية والعلم (science) أو المذهب العلمي (scientism)، لا كما يدعي العلمانيون مستغلين الترجمة الخاطئة زاعمين أنها تعني استخدام العلم والعقل، وهذا تلبيس شديد، فشتان ما بين العلم ومدلول العلمانية.

وترجع جذور هذا الفكر إلى المدارس الطبيعية الأولى التي نشأت بعد القرن السادس عشر الميلادي، حيث تحولت النصرانية المحرفة بمعتقداتها الخرافية عائقاً أمام العلم والفكر، وقيداً على الحرية، ولهذا كله تمرد العلماء في أوروبا على هذه النصرانية المحرفة.

لقد رأت أوروبا أن الحياة على نظم من صنع عقول رجالها خير لها من الحياة على خرافات رجال الكنيسة، وأن حريتها بعيداً عن الدين أفضل لها من العبودية للبابوات والقساوسة باسم الدين.

لقد تصدت الكنيسة للعلم والعلماء واتهمتهم بالهرطقة، وأوجدت صراعاً بينها وبين العلم، فأعلنت أوروبا فصل الدين عن الدولة، فكان ذلك رد فعل خاطئ لدين محرف وأوضاع خاطئة، وانتقلت أوروبا بهذا الاختيار من جاهلية على شكل دين محرف إلى جاهلية تدعى العلم والتحضر.

كان على أوروبا أن تبحث عن الدين الصحيح لا أن تهرب إلى حياة مادية بلا دين، ولكن أوروبا نبذت دينها لتتخلى عن عقائد محرفة، ولما وجدت المادية تسود وتنتشر اتخذتها بديلاً عن دينها، وتصورت أن العلم والدين متناقضان، فحاربت الدين باسم العلم، وأقامت حضارتها على المادية المحضة.

ولقد تبنت العلمانية مبادئ الفكر المادي، وعليه قامت معتقدات العلمانية، ومنها: الإيمان المطلق بالمادة، وبما يحس ويشاهد، وإنكار ما وراء الطبيعة من أمور غيبية، وتقديس العلم التجريبي كمصدر للمعرفة والتعرف على الحقائق، ومعاداة الدين أو على الأقل إبعاده عن مجالات الحياة المختلفة، فمن العلمانيين من ينكر وجود الله، ومنهم من يؤمن بوجوده، ولكنهم يعتقدون أنه لا علاقة بين وجود الله وبين حياة الإنسان على الأرض، لذا فهم يقيمون الحياة على فصل الدين على الدولة، ويرفضون التحاكم إلى شرع الله تعالى.

إن التدين عندهم حرية شخصية في نطاق حياة الفرد الشخصية، أما المجتمع والدولة فلا سلطان للدين عليهما، لذا فالعلمانية لا تمنع الفرد أن يتعبد لله في المسجد ويصلى ويصوم، ولكنها ترفض تماماً خضوع المجتمع ككل لشرع الله تعالى والالتزام به في إطار المجتمع والدولة، فليس بمستغرب أن ترى العلماني الذي يرفض شرع الله تعالى يصلى ويصوم ويتعبد، إذ عنده لا منافاة بينهما، فالله تعالى عندهم سلطته على الفرد كفرد، ولا سلطة له - عندهم - على المجتمع ككل، ولذلك أيضاً لا يتمسك العلمانيون بالقيم والمثل العليا إذ هي في الفكر المادي قيم سلبية، إذ الأخلاق والمبادئ والقيم عندهم من الأمور النسبية، بينما هي في الإسلام من الأمور الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، وهى قيم إيجابية تقود المجتمع إلى الفضيلة والصلاح.

والفكر المادي يقبل مبدأ النفعية ـ البراجماتيزم ـ في كل شيء في الحياة، والبراجماتيزم فلسفة جديدة ذات طابع عملي ترتبط بالواقع، فهي لا تحكم على فكر بأنه حق أو باطل إلا بعد ظهور نفعه عند التطبيق العملي، فالحق ما كان نافعاً، لا أنه نافعاً لكونه حقاً، فليس للحق وجود ذاتي، بل الحق صفة تلحق بالأشياء بحسب نفعها، فهي فلسفة لا تلغى المثل والقيم ولكنها تجعلها من صنع الإنسان.

والفكر المادي يقبل أيضاً مبدأ الميكافيلية ـ الغاية تبرر الوسيلة ـ كفلسفة للحكم والسياسة والأخلاق، وهو مبدأ مادي وضعه السياسي المشهور ميكافيللى، الذي ولد في فلورنسا بإيطاليا، وعاش بين عامي 1469م- 1527م.

والفكر المادي لا يتطرق إلى الإيمان باليوم الآخر، بل ينكر البعث والحساب والنشور، ولا يعترف بالعمل للآخرة، ولكن العمل إنما يكون للدنيا، فيقيم بذلك حاجزاً سميكاً بين عالم الروح وعالم المادة.

وبعد...

فإذا كان لظهور العلمانية المادية في أوروبا ما يبرره، فليس هناك أي مبرر لدخول العلمانية إلى عالمنا الإسلامي، إذ لم يكن ـ ولن يكون - هناك أي عداء بين الإسلام والعلم، ولم يضطهد الإسلام العلماء بل كرمهم، وليس من الإسلام فصل الدين عن الدولة، أو الفصل بين الروح والمادة.


المراحل التاريخية لتنحية الشريعة الإسلامية



الحمد الله و الصلاة و السلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أما بعد ،

عرفت مصر إبان تبعيتها للدولة العثمانية الامتيازات الأجنبية، ثم أنشأت المحاكم القنصلية التي تتبع قنصليات الدول الأجنبية للنظر في المنازعات بين المصريين ورعايا تلك الدول الأجنبية، حيث يُقضى في تلك المنازعات بما تراه هذه المحاكم لا بمقتضى الشريعة الإسلامية. وفي عهد الخديوي إسماعيل حُولت المحاكم القنصلية إلى محاكم مختلطة تابعة للدولة المصرية يلتزم الجميع ـ أجانب ومصريون ـ بالوقوف أمامها، و لكن قوانينها كانت مأخوذة من القانون الفرنسي، وكان ذلك بمشورة نوبار باشا للتخلص من المحاكم القنصلية!! وبعد دخول الإنجليز مصر أنشأت المحاكم الأهلية بجوار المحاكم المختلطة ليتحاكم إليها المصريون أنفسهم في منازعاتهم الداخلية، وقوانينها أيضاً مأخوذة من القانون الفرنسي وذلك في نوفمبر 1883م. وكما ترى عزيزي القارئ أن هذه المحاكم الأهلية محاكم غير شرعية إذ لا تلتزم بالشريعة الإسلامية وسميت بالأهلية أي محاكم وطنية غير أجنبية، فكانت تعميماً لتحكيم القوانين الوضعية في مصر وقد أُلغيت المحاكم المختلطة بعد ذلك عام1949م، وألغي القضاء الشرعي المتعلق بأحكام الأحوال الشخصية وأدمجت في دوائر تابعة للمحاكم الأهلية القائمة علة على القانون الوضعي في عام1955م.

الآثار المترتبة على تطبيق القوانين الوضعية:

لم تكن الشريعة الإسلامية مجرد حدود وتعزيزات، ولكنها تمثل وسيلة لإقامة مجتمع على أخلاق سامية، وحماية له من صور الفساد والانحلال، لذا عاش المجتمع الإسلامي في ظلها قروناً طويلة يتمتع فيها بسلوكيات ظاهرة بعيدة عن الرذائل والفواحش، فلم تُعرف دور البغاء المرخصة ولا حانات الخمور ولا أماكن القمار ولا مواضع لإشاعة الفاحشة من الملاهي والمراقص ونحوها. وما كان في المجتمع من كبائر المعاصي والذنوب، إنما هي عند الجميع من المنكرات، يحرص صاحبها على إخفائها لآن الشريعة كانت هي القانون الذي يحكم الدولة


وهي التى تعاقب عليها وتعزر، ولأن العرف العام الذي رسخته الشريعة في النفوس يستنكره، ولا يسكت عليه ولا يرضى به. فلما أقصيت الشريعة وطبقت القوانين الوضعية، ظهرت أثار هذه التطبيق على أفراد المجتمع بالتدريج: فاستُحل الحكم بغير ما أنزل الله، واستُحل الربا، وتُركت إقامة حدود الشريعة، واختفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إن القوانين الأوربية ـ بما فيها القانون الفرنسي ـ لا تحاسب الفرد على سلوكه الشخصي، ولا على ما يرتكبه من منكرات وفواحش، باسم الحرية الشخصية للفرد، أما الشريعة فتحاسب الفرد عليها، فالمنكرات الشخصية تقع تحت طائلة القانون الإسلامي وعقوباته، لذا فما كاد تطبيق الشريعة يُترك حتى سنحت الفرصة لأصحاب المعاصي أن يجهروا بها، وصار لهم الدور والمحلات، واعتاد الناس على ذلك، فكانت البداية لانقلاب أخلاقي خطير في الأمة لم تعرفه من قبل بهذه الصورة وتغيرت نظرة المجتمع لمقترفي المعاصي والذنوب، وصارت الكثير من المنكرات المخالفة للشرع لا تنكر على أصحابها. وفي مجال الاقتصاد ظهر التعامل بالربا الذي لا تجرمه القوانين الوضعية الأوروبية، واستدان الحكام بالربا، وتعامل به المسلمون، وتراكمت الديون و فوائدها حتى تدخلت الدول الأجنبية في سياسات المسلمين والإشراف عليها والتحكم في توجيهها وفق مصالح الدول الأجنبية صاحبة هذه الديون والفوائد. حتى انتهي ذلك بالاحتلال الكامل ومعلوم أن الشريعة الإسلامية ترفض التعامل بالربا كل الرفض من الحكام والمحكومين

وتسببت القوانين الوضعية في إضعاف العمل بأحكام الشريعة الإسلامية ودراستها، إذ صار اهتمام الفرد في غير الأمور التعبدية هو التعرف على القوانين الوضعية التي يتحاكم إليها في محاكم الدولة، وارتبطت فئة من المتعلمين والمثقفين من أبناء المسلمين بالفكر الأوربي، عن طريق دراسة القوانين الأوربية، وإتقان لغاتها، والتعرف على روادها، و التتلمذ على أيديهم ومناهجهم، والتخصص فيها، والاقتباس منها، مع ما في ذلك من الانبهار والإعجاب والاقتداء بأعلام القانون والتشريع الأوروبي، والجهل أو التجاهل لأعلام الفقه الإسلامي وأئمته الأفذاذ كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما. فإذا تصدى هؤلاء الطلبة والأساتذة في ميدان القضاء للمناصب القيادة وإدارة شئون البلاد ساهموا في توجيه الأمة نحو التغريب والبعد عن الإسلام بحسب ما تربوا عليه.

ولقد ساهم ذلك كله في إحداث التخلف التشريعي الإسلامي الحالي، وليس هذا التخلف التشريعي عن متطلبات العصر ناتجاً عن قصور في الشريعة الإسلامية، ولكنه بسبب العزلة القاتلة التي فرضت على الفقه الإسلامي في مواجهة المدنية الحديثة، ولولا حاجة الناس لمعرفة ما يحتاجون إليه من فقه العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج لما بقي لهذا الفقه أي أثر في حياة المسلم المعاصر. لقد أكسب هذا الوضع القوانين الوافدة واقعية، وأصبحت شريعة الأمة،

وتنفق أموال المسلمين وأوقاتهم في إعداد القائمين بها، وهم بدورهم يدعمونها بالتقنين والتطبيق والتعريب،

لقد أغرى هذا الوضع الغرب وأذنابهم وظنوا أنهم قد قضوا على الإسلام والمسلمين إلى غير رجعة، فما هي إلا سنوات قلائل وتموت الأجيال التي ما زالت تذكر شيئاً عن الإسلام، ويخرج شباب الجامعات الجدد، شباباً منسلخاً من دينه متنكراً لتاريخه، يظن أن العز والرفعة إنما هي في اتباع نظم الغرب وطرقه في الحياة.

ولكن(يَأْبَى اللهُ إِلاَّ أن يُتِمَّ نُوْرَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ) (سورة التوبة : 32)

لقد منَّ الله على شباب الجامعات أنفسهم بهداية من عنده، وما أشبه قصتهم بقصة غلام أصحاب الأخدود الذي أراده خليفة للساحر، فأصبح أكثر من مجرد خليفة للراهب، بل صار صاحب دعوة كتب الله لها الانتشار أكثر مما كتب لدعوة شيخه. لقد خرجت الصحوة الإسلامية المباركة في اللحظة التي أوشك فيها الأعداء أن يعلنوا انتصارهم في الجولة الأخيرة فأعادوا حساباتهم، وانتزعت الأمة بفضل الله عز وجل مظاهر كثيرة من مظاهر العودة إلى الإسلام، انتشر الحجاب بل والنقاب وأصبح المظهر الإسلامي للرجال والنساء مظهراً مألوفاً، تراجعت موجة الإلحاد والعري في وسائل الإعلام، كل هذا على المستوى التطبيقي وأما على المستوى التشريعي فقد تم إعادة قدر كبير من الاعتبار للشريعة الإسلامية التي كانت المصدر الرابع من مصادر التشريع لتصبح المصدر الرئيسي للتشريع.

ولكن هل يأس أعداء الأمة؟

لقد أعادوا بث الفسق والفجور في وسائل الإعلام، وحرضوا أذنابهم ليعاودوا الاستهزاء والسخرية من دين الله. فكلما حاول هؤلاء العلمانيون أن يقضوا على كل المكاسب العملية للصحوة الإسلامية، فإنهم يحاولون أيضاً أن يقضوا على المكاسب التشريعية وينادون بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص بعد تعديلها عن أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع. ومن العجيب نظمهم فإن دستور كل أمة يمثل الثوابت التي اتفقت عليها هذه الأمة ولكن المسلمين يراد لهم أن يكون دستورهم تعبيراً عن إرادة غيرهم بهم، هذا إذا حاكمناهم إلى نظمهم، وأما إذا حاكمناهم إلى كتاب الله الذي ينبغي أن يحاكم إليه كل واحد فالأمر واضح (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمَاً لِقًوْمٍ يُوقِنُوْنَ).

كتبه/ علاء بكر

مقدمة في الغزو الفكري



الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبعد،

يقصد بالغزو الفكري الوسائل غير العسكرية التي اتخذها الغزو الصليبي لإزالة مظاهر الحياة الإسلامية، وصرف المسلمين عن التمسك بالإسلام وما يتعلق بالعقيدة وما يتصل بها من أفكار وتقاليد وأنماط وسلوك، وسلاح هذا الغزو هو الكلمة والرأي والفكرة والشبهات والنظريات، إلى جانب براعة العرض وشدة الجدل وغير ذلك مما يقوم مقام السيف والمدفع والصاروخ في أيدي الجنود المحاربين.

ويتصف الغزو الفكري بالشمول والامتداد، فهو حرب دائمة دائبة، لا يحدها ميدان، بل تمتد لشٌعب الحياة جميعا، تسبق الحرب المسلحة، وتكون معها، مواكبة لها، ثم تستمر بعدها، لتصل بالمكاسب إلى ما عجز السلاح عن تحقيقه، فهي تشل إرادة المهزوم، وتضعف عزيمته، فيلين ويستكين، ويقبل الخضوع والتسليم، ليتلاشى بالتدريج في بوتقة أعدائه المنتصرين، أو يصبح امتدادا ذليلا لهم، أو يعاد تشكيله فيصير تابعا يفخر بتبعيته لأعدائه.

فالغزو الفكري تعبير دقيق يصور خطورة التأثيرات الفكرية التي قد يستهين بها الناس، ولا ينتبهوا إليها، وهى تمضى بينهم، وتحدث تغييراتها فيهم ببطء ونعومة.

لقد تدرج الغزو الفكري، فبدأ مع ظهور الاستشراق والمستشرقين، ثم تسلل إلينا مع التبشير والمبشرين، ثم اتخذ بعد ذلك الأشكال المتعددة والأساليب المتنوعة، ليتحول إلى تيار جارف، له قدرة على تغريب المجتمعات الإسلامية، بالمكر والخديعة تارة، وبالقهر والإكراه تارة أخرى، وصار لهذا التيار الجارف شعارات وأفكار ومذاهب ونظريات هدامة، ظاهرها الفكر، وحقيقتها سهام قاتلة كثيرة، من أخطأه سهم أصابه أخر ألا من رحم ربك.

وقد حشدت لتنفيذ هذا الغزو الجيوش الجرارة من الكتاب والأدباء والمفكرين ودعاة الضلالة، الذين أعطوا مناصب القيادة وألقاب الزعامة، لتغرى بهم غيرهم، وتنخدع بهم شعوبهم، فتنقاد لهم الجماهير.

وقد بلغ الأمر في أيامنا الحالية أن تمكن التغريب من مجتمعاتنا غاية التمكن، وتغلغل في كل شئون حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والتعليمية والفكرية، وصار الغرب – وقد رأى مقدار تمكنه منا – يطالبنا صراحة بل يفرض علينا مظاهر حضارته الغربية المادية فرضاً كاملاً باسم العولمة.

إن الغرب في ظل النظام العالمي الجديد يسعى بقوة إلى صبغ دول العالم بصبغته الحضارية والثقافية، بغرض محو هويتها وتشكيل أساليب ومظاهر الحياة الغربية، وهذا يساهم في عدم استقرار أحوالها، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ويصير إنتاج أبنائها في حالة تبعية للثقافة الغربية، والذي يهمنا هو الجانب المتعلق بالعالم الإسلامي والعالم العربي من هذا الغزو الثقافي.

إن على المسلمين عامة والدعاة خاصة أن يتعرفوا على أشكال وأساليب ووسائل هذا الغزو الفكري، ليتفادوه، ويمنعوا أخطاره، ويصلحوا ما أفسدوه عبر أزمان طويلة في حياة المسلمين وهذا ما نرجو أن نتعاون جميعا لتحقيقه.
كتبه/ علاء بكر

التصفية بداية الاصلاح



الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، أما بعد،

فإن من أعظم ما يواجه دعاة اليوم هو هذا الكم الرهيب من المذاهب الفكرية المختلفة التي استولت على عقول المسلمين فأفسدتها، حتى التبس عليهم الحق بالباطل، فصاروا لا يميزون بين الخطأ منها والصواب، وراجت عليهم بسبب ذلك أفكار ومبادئ ونظم ومناهج يظنها الناس أنها من الحق وتعود عليهم بالخير، وحكم الإسلام فيها أنها من الباطل، الذي لا يجلب على الأمة إلا الشر والفساد في دينهم ودنياهم لذا كان لزاما على كل مسلم أن يحرص على معرفه حكم الإسلام بدليله من الكتاب والسنة فيما يدور حوله من نظم ومناهج ومبادئ وأفكار، وان يبصر إخوانه بما علمه من حقائق ولا يخفيها. فقد أصبح معرفة حكم الله تعالى في هذه الأمور من الواجبات على المسلمين اليوم ليتبرأ من المخالف منها، ويتجنب العمل بها.

وعلى الدعاة اليوم أن يبينوا للناس ما خالف الإسلام من هذه النظم والمبادئ والمناهج والأفكار، ويعرفوهم بخطرها فهذا من كمال تعليم الناس التوحيد، فان توحيد الله عز وجل لا يستقيم إلا بتعبيد الناس لشرع الله وحده ونبذ الانقياد والخضوع لما سواه وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إنما هي إفراد الله بالعباده وإفراد نبيه صلى الله عليه وسلم بالاتباع. ولا يستقيم ذلك للمرء إلا بانقياده وتسليمه لشرع الله وحده، وتمسكه بهدى النبي صلى الله عليه وسلم.

فالتوحيد توحيدان: توحيد المعبود بإفراد الله بالعباده، وتوحيد المتبوع بإفراد الرسول صلى الله عليه وسلم بالاتباع، وحال الناس اليوم يخالف ذلك أو يضاده، باتباع الكثير مما يخالف ما جاء به الإسلام وما كان وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم من بعده.

إن صلاح الأمة بعودتها للفهم الصحيح للكتاب والسنة على طريقة السلف الصالح، فما الداء إلا البعد عن فهم السلف للإسلام، وما الدواء إلا بالرجوع إلى ما انصلح به أول هذه الأمة, بل أنه لا صلاح للبشرية جمعاء إلا بتطبيق هذا الإسلام، ولا يرجى بدء هذا الإصلاح إلا من جهة المسلمين أولا, وها هي بشائر العودة إلى الإسلام علما وعملا تظهر من جديد، وها هي الصحوة الإسلامية المباركة تنمو وتزيد (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف: من الآية21)، فعلى الدعاة أن يضاعفوا جهدهم ويخلصوا عملهم لله، ويجمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح والدعوة على بصيرة والصبر على ذلك، ليقودوا هذه النبتة الطيبة إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه. ولا ننسى أن ننبه هنا أنه لا مكان لتقديم العقل والهوى والأخذ بآراء الرجال في تقييم المناهج والأفكار والنظم، وإنما المرجع في الأخذ والترك، وبيان الصواب والخطأ، إلى ميزان الإسلام المتمثل في الكتاب والسنة بفهم أئمة الأمة المعتبرين من أهل السنة والجماعة، فما زالت بحمد الله بيننا طائفة على الحق منصورة لا يضرها من خالفها أو من خذلها.

ونحن نأمل من خلال موقعنا هذا، ومساهمة قرائه ومتابعيه، أن نخطو خطوات بناءه في هذا الطريق، نصحح المفاهيم، ونهدى إلى الصراط المستقيم، ونفارق غير سبيل المؤمنين، ونعلى كلمة الحق والدين، والله تعالى الهادي لسواء السبيل، والله المستعان.

كتبه/ علاء بكر

الغرب علماني أم مسيحي؟


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، أما بعد،

الغرب علماني أم مسيحي؟ سؤال يردده الكثيرون وتختلف أنظار الباحثين في الإجابة السليمة على هذا السؤال، فمنهم من يرون أن الغرب علماني.

والشواهد على ذلك كثيرة، منها ما يتعلق بتاريخ أوربا وجذورها اليونانية ثم الرومانية والتي تعتبر هي المهد الحقيقي للعلمانية حيث كانت ديانات اليونان ومن بعدهم الرومان ديانات وثنية، وكانت الفكرة المسيطرة على العقلية الأوروبية في ذلك الوقت أن الإله لا بد وأن يكون إنسان خارق (super man)، وأن الانتقال من مرتبته البشرية إلى مرتبة الآلهة ـ على سبيل الجمع طبعاً ـ وكذا النزول من مرتبة الإلهية إلى مرتبة البشرية أمر طبيعي وهو كثير التكرر في أساطيرهم، كما أن الصراع بين الآلهة ولعب البشر على وتر الخلاف بين الآلهة أمر كثير التكرر في أساطيرهم.

ومن ذلك أنهم يزعمون أن الإله الذي قرر إغراق البشر بالطوفان ليس هو الذي أوقفه، وإنما سعى البشر لدى إله آخر فأوقف الطوفان. والغالب على دين اليونان والرومان كان اللعب واللهو، وطقوس العبادة عندهم هي صور من اللهو، ومن ذلك الألعاب الأوليمبية التي كانت طقس من طقوس عبادة آلهة جبال الألب.

هذا من جهة التاريخ، وأما من جهة الواقع، فالبلاد الأوروبية قاطبة وحتى أمريكا وإسرائيل اللتان تتسمان بقدر أكبر من احترام الدين، إلا أن كلهم متفقون على إقصاء الدين عن أي قضية دنيوية في اقتصاد أو اجتماع أو نظم حياة، كما أن كثير من الأمور التي ما زالت محرمة ـ حتى في كتبهم المحرفة ـ يقدمون عليها بكل جرأة ويُشَرِّعون القوانين المبيحة لها كالزنا والشذوذ، ومعلوم أن تجارة البغاء السري والعلني من أكثر التجارات رواجا فيً إسرائيل، أضف إلى ذلك موجات الإلحاد الصريح في السينما الأوروبية والأمريكية والسخرية من الذات الإلهية والعياذ بالله. بالإضافة إلى السخرية من عيسى ـ عليه السلام ـ الذي هو بزعمهم هو الله أو ابن الله، ولا يتصدى في الأعم الأغلب لهذه الموجات الإلحادية إلا المسلمون بينما النصارى أوربا وأمريكا هم الذين يدفعون أموالهم ثمناً لأعمال سينمائية تسخر من دينهم

ظاهرة العزوف عن الذهاب إلى الكنائس ظاهرة في غاية الوضوح، مما جعل الكنائس ـ حفاظاً على تدفق الأموال عليها ـ تقدم خدمة الصلاة مع قسيس عبر الهاتف، أو حتى مع جهاز الرد الآلي (answer m/c)، بينما تقدم بعض الكنائس خدمة الصلاة مع قسيس في كشك أمام الكنيسة (take away prayer)، هذه الشواهد وغيرها كثير يقول أن الغرب علماني مفرط في علمانيته.

وأما الفريق الذي يرى أن الغرب مسيحي، يقدم بعض الشواهد التاريخية من الفترة المعروفة في تاريخ أوربا بالعصور الوسطى حيث بلغت سيطرة الكنيسة مداها على مقاليد العباد، فسيطروا على السياسة فكانوا يولون الملوك ويعزلونهم، وكان القساوسة هم أكثر الإقطاعيين امتلاكاً للأراضي، وقد بلغ بهم الحد إلى بيع الجنة للناس عن طريق صكوك الغفران، بعدما فرغوا من بيع وشراء الدنيا.

وهؤلاء يرون أن العلمانية لم تمثل إلا فترة وجيزة من تاريخ أوروبا عادت بعدها أوربا ـ ومن باب أولى أمريكا ـ إلى دينهم المسيحي، وأصبحت ترى كثيراً من الأحزاب السياسية الأوروبية تحمل وصف المسيحي، كالحزب الديمقراطي المسيحي، وغيرها. ومن أكثر المواقف دلالة على هذا الرأي تلك الحرب الصليبية التي أفلت لسان جورج بوش الابن بها في وصفه لحربه على الإرهاب في الشرق الأوسط.

والذي نراه أن أوربا مرت بعدة مراحل في حياتها:

الأولى: المرحلة اليونانية والرومانية، وهذه تمثل المرحلة العلمانية في أوضح صورها ولم يكن الدين الوثني حينئذ إلا نوع من اللهو واللعب لإشباع الحاجة الفطرية عند الإنسان لمن يتأله له.

الثانية: مرحلة نصرانية قسطنطين الإمبراطور الوثني الذي وجد في أقوال المثلثين من النصارى ـ على قلتهم في ذلك الزمان ـ فرصة سانحة لعمل دين موحد للإمبراطورية دون تغير حقيقي حتى في العقائد، حيث ألبست العقائد الوثنية ثوب المسيحية. وهذه المرحلة تمثل مراحل تعايش العلمانية والمسيحية جنباًَ إلى جنب، لا سيما وأن مسيحية قسطنطين قد نسبت لعيسى ـ عليه السلام ـ قوله "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر" ضمن قصة طويلة ليس هذا مجال سردها، وإنما الشاهد أنهم ينسبون إليه هذه المقولة مع حملها على المعنى الذي يريده العلمانيون.

وأيضاً ينسبون إليه قوله "من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر" وهذه أيضاً ضمن قصة أخرى، ولكن الشاهد أنهم ينسبون إليه هذه المقولة مع تفسيرها أنه قالها دفاعاً عن امرأة زانية وذلك لتعطيل إقامة الحدود وزوال السلطان الدنيوي عن خطايا العباد.

الثالثة: مرحلة الطغيان الكنسي وتحول الكنيسة إلى وحش كاسر يتدخل في كل شؤون الحياة الدنيا بل والآخرة اعتماداً على الكذبة التي اخترعوها لتمرير نسبة الأناجيل إلى الله عز وجل، وهي أن كتاب الأناجيل قد حل فيهم الروح القدس عند كتابتهم للأناجيل ومن ثم فأصبحوا يستدعون الروح القدس في زعمهم حتى عندما فشتهم قوانين الفيزياء والفلك والتي أثبت العلم بعد ذلك كذبها فاضطروا إلى تعذيب وقتل العلماء ليرجعوا عن أقوالهم التي كشفت كذب ادعائهم بحلول روح القدس فيهم.

الرابعة: هي مرحلة العلمانية المفرطة التي كانت رد فعل عنيف للسيطرة الطاغية للكنيسة على مقدرات البلاد والعباد وهذه المرحلة التي نرى أنها لم تدم طويلاً لا سيما في المعسكر الغربي.

الخامسة: وهي المرحلة الحالية وهي شعورهم بالحاجة إلى الدين لأداء بعض الدور الاجتماعي والتوجيهي مع بقاء الحياة كلها بعيدة عن إلزاماته، ويمثل الأمر الذي يجتمع عليه الغرب لغياب كل المقومات الأخرى نتيجة اختلاف اللغة ووجود الحروب والصراعات بين الشعوب الأوربية، وكذلك مواجهة المسلمين، فإنه يصعب على الساسة أن يبرروا حروبهم مع شعوب العالم بأنها حرب على الملك وعلى الثروات ـ وإن كانوا يصرحون بهذا أحياناً ـ ولكن لا شك أن عامل الدين له بريق أكثر من غيره.

ولذلك فلا عجب أن تجد الدنيا تقوم ولا تقعد من أجل إسلام عدد من النصارى، بينما النصارى أنفسهم ينتجون الأفلام الساخرة من عيسى ـ عليه السلام. ـوقد عبر البعض عن ذلك بقوله: "إن الغرب علماني الديانة، مسيحي الهوية"، وحيث أنه لا يخشى على هويته إلا من الإسلام فهو لا يتذكر تلك الهوية إلا أمام المسلمين.


كتبه/ عبد المنعم الشحات